الشيخ عبد الغني النابلسي

150

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

إذ يروه كلهم ( إلا ) مأخوذا بالاستمداد ( من ) نور ( مشكاة خاتم الأولياء ) من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام وهي ولاية النبوّة والرسالة لا مطلق الولاية . والحاصل أن الولاية على ثلاثة أقسام : ولاية إيمان فقط ، وولاية إيمان ونبوّة فقط ، وولاية إيمان ونبوّة ورسالة ، والمراد بالأولياء هنا هذا القسم الثالث حتى لا يبقى مناقضا لقوله : وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم يعني من حيث ختمه للولاية لا للرسالة ، ثم بيّن ذلك بقوله : ( فإن الرسالة والنبوّة أعني نبوّة التشريع ) لا نبوّة التبليغ ( ورسالته ) ، أي التشريع لا التبليغ ( ينقطعان ) في الزمان لا في الثبوت بحيث يزولان عمن يتصف بهما أبدا ، وقد انقطعت النبوّة والرسالة بنبوّة نبينا ورسولنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، بحيث لم يبق أحد يتصف بذلك إلى يوم القيامة ( والولاية لا تنقطع أبدا ) بل هي باقية إلى يوم القيامة كل من عمل بشروطها التي هي طهارة الظاهر والباطن من البدع والمخالفات ، والتحلية بالأعمال الصالحة نالها ، ومن لا فلا . واعلم أن طور الولاية هو الكشف في الحضرات الإلهية ، وطور النبوّة هو الكشف في الحضرات الملكية ، وطور الرسالة هو الكشف في الحضرات الإنسانية ، ولا يمكن أن يوجد الكشف في الحضرات الملكية والبشرية إلا بعد الكشف في الحضرات الإلهية ، ولهذا لا يكون نبي أو رسول إلا وهو ولي ، وأما الكشف في الحضرات الإلهية فإنه يوجد من دون الكشف في الحضرات الملكية والبشرية ، فيكون وليا وليس بنبي ولا رسول . وهذه الكشوفات الثلاثة قد تكون مع التشريع بطريق الأصالة وقد تكون مع التبليغ بطريق الوراثة كما يشير إليه قوله تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ يوسف : 108 ] الآية . فقد سوى بينه وبين من اتبعه في البصيرة وليست إلا العلم بما ذكر ، والفارق الاتباع والاستقلال ، فالمتبوع مشرع والتابع وارث ، فالذي ينقطع التشريع الإرث ( فالمرسلون ) عليهم السلام ( من ) جهة ( كونهم أولياء ) ، وهذه جهة العلم باللّه تعالى من حيث هو تعالى لا من جهة كونهم أنبياء ، لأنها جهة العلم باللّه من حضراته الملكية ، ولا من جهة كونهم رسلا ، لأنها جهة العلم باللّه من حيث حضراته الإنسانية ، وهذا العلم مما يتعلق به تعالى من جهته تعالى من حيث هو في نفسه ( لا يرون ) ، أي يشهدون ( ما ذكرناه ) من العلم السابق بيانه ( إلا من ) نور ( مشكاة خاتم الأولياء ) من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام كما مر ، فإن ختم الولاية في زمان المرسلين الماضين عليهم السلام لم يكن إلا في ولاية النبوّة ، كولاية الخضر عليه السلام وولايته الرسالة فقط ، وأما ولاية الإيمان فحقها في هذه الأمة في كل زمان